الرئيسية / متفرقات / دولة “الميليشيات أولاً”

دولة “الميليشيات أولاً”


أمثلة عديدة في محطات الوقود ومنشآت الدولة اليوم، تُبرز سلطة الميليشيات ودورها المتنامي في لبنان. بات واقع الحال في لبنان أكثر تعقيداً، ومركباً بشكل يحول دون انتشال بقايا الدولة، أو اجراء أي إصلاحات، بما أن تطبيقها صار منوطاً بـ”سلطات” عديدة، وليس واحدة رسمية. بكلام آخر، دخلت الدولة طور التفتت، وصرنا قاب قوسين أو أدنى من تحول الأمن نفسه إلى سلعة، مع القعر الذي وصلت اليه القوى الأمنية من جيش وشرطة وأجهزة متفرقة نتيجة انخفاض قيمة رواتب العناصر وارتفاع كلفة المعيشة أضعافاً.
في بعض محطات البنزين، إحداها في رأس بيروت، يتولى الآن شبان الميليشيات تسيير العمل وتوزيع الوقود على مهربيهم على الدراجات النارية، وعلى أنصارهم، ومن ثم على طوابير الناس. هذا التحول حدث لأن صاحب المحطة لم يجد مناصاً من اللجوء الى الميليشيات لرد اعتداءات أخرى، إما من مئات الناس الغاضبين أو قبضايات المناطق، في حين تقف القوى الأمنية متفرجة على واقع لا تملك القدرة على ابداله بآخر. أحياناً، يلجأ صاحب المحطة الى ميليشيا يُواليها وله علاقة معها، وأحيانا يخرج خارج رداء الطائفة والولاء الحزبي لضمان أمنه نتيجة الأمر الواقع. والأرباح غالباً ترتفع نتيجة التهريب والبيع بأسعار أعلى من السوق عبر التلاعب بالعداد (الميليشيات تحمي في ذلك صاحب المحطة من أي ملاحقة رسمية إلا اذا فعل ذلك وحده).
هذه السيطرة لميليشيات السلطة وأنصارها على بعض المحطات التابعة للقطاع الخاص، تنسحب على ممتلكات الدولة أيضاً. ذلك أن مؤسسة كهرباء لبنان تحدثت في بيان لها الأحد عن “ازدياد عدد المحطات الخارجة عن سيطرتها، منذ مساء يوم الخميس الواقع فيه 12/8/2021 ولغاية تاريخه، إلى 8 محطات ليشمل محطات الحرج، البسطا، صور، بعلبك، المصيلح، الزهراني، وادي جيلو، النبطية نتيجة ازدياد وتيرة الاعتداءات الحاصلة عليها”. واللافت هنا أن “بعض المواطنين”، والمقصود طبعاً أنصار الميليشيات، عمل في 5 محطات تحويل “وهي صور، المصيلح، الزهراني، وادي جيلو، والنبطية على إفادة المناطق التي تتغذى من هذه المحطات تحديداً من ساعات تغذية إضافية تصل الى معدل أكثر من 12 ساعة في اليوم، بينما تُحرم المناطق اللبنانية الأخرى من ساعات التغذية الكهربائية المحددة لها بسبب هذه التجاوزات المستمرة في تلك المحطات”، وفقاً لبيان نشره موقع “المؤسسة اللبنانية للإرسال”.
هذا الإمساك بمعابر التهريب وبمصادر الوقود وبيعه في أسواق مختلفة، وبالكهرباء والمياه، علاوة على ازدهار الممنوعات ومحلات القمار وغيرها، مكونات أساسية من الاقتصاد السفلي الذي يتعزز وينمو ويرتبط بأحزاب السلطة وشبكاتها.
ذاك أن هذا الاقتصاد الموازي أو السفلي عوّض أتباع الميليشيات عن انخفاض رواتب العاملين في الدولة، وانهيار الوضع المالي بالبلاد، إذ بإمكان أنصار أقطاب السلطة اليوم الحصول على أرباح مقابل ولائهم. من الصعب على أي حكومة مقبلة تفكيك هذا الاقتصاد الموازي من دون خلق بدائل، والأرجح أن أي خطوة من هذا القبيل ستخلق مشكلات داخل تنظيمات السلطة نفسها. كما احتج أصحاب المولدات على أي محاولة لتوفير الكهرباء بشكل كامل، سيحاول المستفيدون من التهريب والسوق السوداء لبيع الوقود وغيرها من المواد، عرقلة أي جهود لعودة التداول الطبيعي. وهذا تحدٍ جديدٍ يُضاف الى الكثير من التحديات أمام عودة الدولة، ومحاولة النهوض بالبلاد، وهي مهمة قد تصبح شبه مستحيلة مع مضي الوقت.
ذاك أن الانهيار وصل الى مراحل متقدمة، يخلق فيها واقعاً جديداً بجذور ومصالح يُصعب اقتلاعها بمجرد تشكيل حكومة.

image_pdfimage_print

شاهد أيضاً

إنماء طرابلس نعت قبلان: حمل لبنان في قلبه

 نعى رئيس جمعية “إنماء طرابلس والميناء” أنطوان حبيب في بيان، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى …

اترك تعليقاً