الرئيسية / متفرقات / “عَرَق”.. عن الشهرة والوحدة والحياة الحقيقية

“عَرَق”.. عن الشهرة والوحدة والحياة الحقيقية


في الأيام الأولى من أول إغلاق عام بسبب كورونا، وجدت نفسي أتابع إحدى قنوات الصحة والرشاقة الشهيرة في “يوتيوب”. كل صباح تقريباً، كنت أقوم ببعض تمارين اليوغا، فيما مدرّبتي – على الشاشة – تقول، بجسدها المثالي جداً، أنه يجب على كل واحد تقبُّل جسده كما هو. لم تشارك مدرّبتي الكثير من حياتها الخاصة. لكن البعض الآخر يفعل. في الفيلم الروائي “عرق” (sweat) للمخرج السويدي المقيم في بولندا ماغنوس فون هورن، نتابع عن قرب نظرة مكثّفة لثلاثة أيام في حياة المؤثرة ومدربة اللياقة البدنية سيلفيا زايُنس، التي جعلها وجودها على وسائل التواصل الاجتماعي من المشاهير، دون أن يعطيها الألفة والرفقة.مزيج من ديستوبيا الأخ الأكبر والاستلاب الكامل لترومان شو، هكذا تنكشف حياة سيلفيا (ماجدالينا كولشنيك). الفارق أنها ليست جزءاً من إنتاج/خلق شخص آخر، فضلاً عن إدراكها التام بأن حياتها اليومية يتابعها مئات الآلاف من الأشخاص. سيلفيا هي إحدى مشاهير اللياقة البدنية، “Fitfluencer” إذا جاز التعبير، رياضية ونحيلة، شقراء ذات عينين زرقاوين وترتدي ملابس وردية محبوكة على جسد دائم التدريب والتمرّن، كما لو أن كل شيء عنها هو مجرد كليشيهات. إنها نتاج نقي لزمنها، تعيش من خلال الشبكات الاجتماعية ومن أجلها، تنشر في حساباتها الخاصة كل نشاط تقريباً في حياتها. ليس فقط ما يحدث في الأماكن العامة، مثل فصولها المزدحمة التي تحضرها شابّات يماثلنها، ونساء أكبر سنّاً ورجال أيضاً، بل أيضاً الكثير من حياتها الخاصة. تنشر مقاطع فيديو لجلساتها في صالة الألعاب الرياضية، وكيف تحضّر مشروب الطاقة لوجبة الإفطار، ولحيوانها الأليف، وللهدايا التي تتلقاها مقابل ترويج الأشياء والمنتجات. يتابعها 600 ألف معجب، وهي تدين بسمعتها وشهرتها لوجودها الرقمي، وكأن حياتها كلها أداء متواصل. تعريض نفسها قدر الإمكان لجمهورها يصبح بيزنسها الشخصي. تنشأ المشاكل عندما تتجاوز خطّاً أحمر في هذا العالم القائم على الاستهلاك وضبط النفس، وتنشر مقطع فيديو تروي فيه قصة حميمة: تقول وهي تبكي إنها تشعر بالوحدة، وأنها تودّ أن يكون هناك شخص ما في حياتها.
يكشف “عرَق”، خلال ثلثه الأول، عن نظرة نقدية لدور الشبكات الاجتماعية في الحياة العصرية، خاصة في حياة جيل الربع الأخير من القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة (الميلينيالز والجيل Z). وهو يفعل ذلك من خلال إيصال الاعتقاد بأن لا شيء حقيقي تماماً إذا لم يُمدّد وجوده على الفور إلى المستوى الافتراضي/الإنترنتي. بعبارة أخرى، لا تكتسب الأفعال قيمة بحدّ ذاتها، وإنما بعرضها لجمهور. بدءاً من نصّه، يطرح الفيلم بذكاء التعايش بين هذه الأكوان المتوازية التي لا تتماس أبداً. حياة سيلفيا المثالية على الإنترنت، المضيئة والملونة، والمصحوبة بمشاعر مفرطة وتصرفات مبالغ فيها ولكنها إيجابية دائماً ومليئة بالعاطفة التي يظهرها لها الناس.. تُقدَّم على أنها معكوس تلك الحياة الحميمة حيث لا يمكن للأضواء نفسها ولا البيئة المترفة المصطنعة إخفاء الفراغ الذي يتسرَّب إلى هذا التنفيس/ التطهير العاطفي عبر الشبكات.ليس من قبيل المصادفة أن أزمة الشابة التي تصنع ما يشبه طائفةً لعبادة الجسد تأتي من الجانب العاطفي، عبر هذا الاعتراف النادر والمتمثّل في ظهورٍ عفوي وتلقائي لشعور حقيقي وموثوق يحرّر المعاناة الوجودية لحياة منقسمة إلى نصفين لا يتصلان. كذلك يفعل الاشتغال المستمر على تأكيد الازدواجية الذي يقوم به الفيلم بالمرايا والشاشات وحتى نوافذ المباني. هذا الاعتراف سيكون لها بمثابة جبل جليد التايتانك. ليس فقط لأنه يمثّل الطرف المرئي لصدمة أعمق، وإنما أيضاً لإنتاجه شرخاً عاطفياً سيسمح لها بالبدء في إدراك الواقع بشكل أكثر ارتباطاً بأحاسيسها وبالآخرين. وهنا يُدخل الفيلم شخصيات من الجانب الآخر لهذا العالم المفرط في أدائيته واستعراضه. حالة الرجل الذي يطاردها ويستمني في سيارته أثناء مراقبته إياها، والمعجب المتحمس الذي يدعوها لتناول القهوة ثم يعترف لها كما لو كانا في جلسة علاج نفسي.. هي مفتاح التغيير الذي يبدأ في سيلفيا. كما الحال في ثلاثية “ماتريكس”، عندما يتناول البطل الحبة الزرقاء، فإن هذا التنفيس يمثل حالة خاصة وغير متوقعة ستؤدي إلى هدم الواجهة الأنيقة والمهندمة التي بنتها بنفسها حول نفسها، لإفساح المجال لتدفق جامح لمشاعر تتجاوز أكوام الرموز التعبيرية الملقاة يومياً في الفضاء السيبراني.يموضع الفيلم رحلة سيلفيا تلك بين نصفي فلكها المزدوج في اليوم الذي تزور فيه والدتها في عيد ميلادها، وفي الأثناء تمرّ عبر نفقٍ يعمل كحلقة وصل بين الواقعين. عندما تدخله بسيارتها، ستترك وراءها عالماً مهندساً يبدو لا إنسانياً ومختلقاً بالكامل عبر فلاتر وأضواء وتصحيحات. وعندما تخرج من جانبه الآخر ستظهر بين بنايات متشابهة ومداخن مصانع وصليب لافت لكنيسة الحي. استعارات كهذه قد تبدو مبتذلة ما لم يدعمها اشتغال فني وترجمة بصرية يفسّران تحول الإيقاع والشخصية، وهو ما يفعله الفيلم ببراعة، حيث ينتقل من لوحة من الألوان الواضحة والمقدمة بشكل مثالي إلى لوحة من الأشكال المحترقة والأنسجة الخشنة المتقشرة. يحتفظ الفيلم لثلثه الأخير بتسلسلين مؤثرين، يسمحان لسيلفيا بإغلاق الدائرة المفتوحة، وإكمال رحلة هي إلى حد كبير أمثولة مسيحية معاصرة. في هذا الجزء الأخير، يسمح الفيلم لنفسه أيضاً بنظرة أقل حدة للحياة الافتراضية، ويقبلها على أنها مجرد مساحة أخرى يمكن العيش فيها.

شاهد أيضاً

رياح وأمطار شمالا.. اليكم تفاصييل الطقس

توقعت دائرة التقديرات في مصلحة الأرصاد الجوية في المديرية العامة للطيران المدني، ان يكون الطقس …

اترك تعليقاً