الرئيسية / مقالات / “التكلیف” حاصل… و”التألیف”…!؟(داني الأسمر)

“التكلیف” حاصل… و”التألیف”…!؟(داني الأسمر)


إتخذ الرئیس میشال عون “القرار الصعب” بتأجیل الإستشارات النیابیة لمدة أسبوع، بعدما وجد أن الرئیس سعدالحریري توصل الى حسم التكلیف والحصول على تأیید أكثریة نیابیة من دون الحاجة الى أصوات نواب التیار الوطنيالحر (وحتى من دون إحتساب أصوات نواب القوات اللبنانیة التي قررت عدم تسمیة أحد). والمشكلة من وجھة نظر رئیس الجمھوریة تكمن في أن مثل ھذه الحكومة ستكون فاقدة لـ”المیثاقیة” لأنھا لا ترتكز الى تأیید أكبر قوتینمسیحیتین (بغض النظر عن الأسباب والمنطلقات المختلفة)، والمسألة لیست مسألة تكلیف وإنما مسألة تألیف وما إذاكان الحریري قادرا على تشكیل حكومة جدیدة أم سیتكرر معه ما حصل مع مصطفى أدیب عندما حصل التكلیف بأكثریةعالیة وتعثر التألیف وتعذر، واضطُر الرئیس المكلف الى الإعتذار. والرئیس عون لا یرید لـ”تجربة أدیب” أن تتكرر،وھو یرید تفاھما مسبقا على الحكومة الجدیدة، وھذا التفاھم یجب أن یشمل الجمیع ولا یكفي أن یكون مقتصرا علىتفاھمات أبرمھا الحریري مع بري وجنبلاط وفرنجیة والطاشناق، وتضمن له الحصول على أصوات ٢٢ نائبا مسیحیا،

وھذا رقم كاف بنظره لتأمین شرط المیثاقیة…

عندما حصل اللقاء في قصر بعبدا لمرة واحدة حتى الآن، نصح عون الحریري بأن یجتمع الى “جبران”، وبنىعون نصیحته على حاجة الحریري الى فریق مسیحي یدعم ترشیحه وحیث لا یمكن لمرشح أن یبلغ التكلیف من دونتأیید التیار الوطني الحر أو القوات اللبنانیة. وكان جواب الحریري: “عندما كلّفتم حسان دیاب لم ینل من أصوات النوابالسنّة إلا أصوات اللقاء التشاوري، وأنا الآن تدعمني كتلة سلیمان فرنجیة التي تتمتع بـ”شرعیة مسیحیة” وعددھاأكبر من اللقاء التشاوري…”. وكان جواب عون مخاطبا الحریري بأن تسمیة دیاب لم تحصل إلا بعد محاولات ومناشدات عدیدة جرت معك لإقناعك بالترشح، ولكنك لم تتجاوب وأصریت على موقفك، فكان لا بد من تكلیف شخصیة أخرى، مع أنك كنت المفضل…

أدرك الحریري بعد ھذا اللقاء أن العقبة الأساسیة، وربما الوحیدة في طریقه حالیا، ھي عقبة جبران باسیل. ولكنه تجاھلھا ومضى في اتجاه إستشارات محسومة ومضمونة. لم یكن الحریري یتوقع التأجیل، لا بل كان یعتقد أن عون لا یمكنه أن یحتمل تبعات قرار كھذا ستكون له تأثیرات سلبیة على علاقته مع ماكرون والمبادرة الفرنسیة وتلقي علیه مسؤولیة الوضع. وقرر الحریري التعاطي مع قرار التأجیل بعد صدوره كما لو أنه لم یكن ولن یغیّر شیئا في موقفهوخطته. ولذلك إلتزم الصمت السیاسي المطبق ولم یطلق أي إشارة تدل الى رغبته بالتفاھم مع باسیل أو حتى بلقاءالرئیس عون لمرة ثانیة قبل الخمیس المقبل.

عندما اعتذر مصطفى أدیب قرر الحریري وبتأثیر من محیطه والمقربین منه أن لا یُسمي احدا لرئاسة الحكومة و ان یكون ھو رئیسا للحكومة وحیث لا منافس ولا منازع له وھو المرشح الطبیعي كونه الأقوى سنیّا، وإما یبقى “خارجاللعبة والحكم” لأنه لیس في صدد تسمیة أو تفویض أو دعم أحد. وبعدما قرر رئیس الجمھوریة تأجیل الإستشارات،قرر الحریري، وبتأثیر من محیطه أیضا، المضي قدما في ترشیحه والتمسك به أكثر وعدم إخضاعه  لأي مساومة. فإماتجري الإستشارات وتعلنه رئیسا مكلفا، وإما لا تجري ولیتحمل عون المسؤولية المترتبة على ذلك .

لا یتصرف الحریري من خلفیة أنه “المحشور والمحرج والمطالب بتفكیك اللغم الحكومي، وإنما یتصرف من خلفیة أن باسیل ھو الذي تسل ل… كما یتصرف الحریري على أساس شجرة عالیة وعلى الرئیس عون أن یضع له سلم النزول أنه كسب معركة الحكومة وقد ضمن، لیس فقط أكثریة نیابیة، وإنما أیضا، وھذا ھو الأھم، تفاھما مع الثنائي الشیعيالذي أعطاه ما یریده في وزارة المال وتسمیة الوزراء، وھذا ما یساعده على تحیید رئیس الجمھوریة و”عزل مشكلةباسیل” في أضیق نطاق ممكن وإقصائه عن الحكومة الجدیدة، على أن تنحصر التفاھمات الحكومیة مع رئیسالجمھوریة بما یكفي لإقفال الثغرة المسیحیة، وبما یغنیه عن الحاجة الى باسیل وكتلته.

ھنا یقع الحریري في خطأ حسابات سیاسیة. الأمر لا یتعلق فقط بموقف عون الذي “لن” یقبل بإقصاء التیار الوطنيوعدم مراعاة بإقصاء التيار الوطني الحر دون غیره من الأحزاب والكتل النیابیة وإسقاط “معادلة الحریري ـ باسیل” ن المسیحي
الأساسي، ولن یخضع لشروط الحریري تحت ضغط الوقت الضیّق والأزمات المتراكمة والإستقواء بالمبادر الفرنسیة… الأمر یتعلق بموقف حزب الله. ھذا الموقف ما زال یتسم بالغموض وعدم كشف الأوراق النھائیة معالحریري وتجاھه، وما زال داعما للرئیس عون بكل قوة وثبات في الملف الحكومي…

عندما التقى وفد كتلة المستقبل برئاسة النائب بھیة الحریري رئیس كتلة حزب الله النائب محمد رعد في إطار الجولة
على رؤساء الكتل النیابیة، لم تتبلغ منه أي موقف بشأن تسمیة الرئیس سعد الحریري لرئاسة الحكومة، لا بل لمست موقفا مائلا الى عدم التسمیة عندما عمد النائب رعد الى تذكیرھا بأن حزب الله لم یسِّم مرة الرئیس رفیق الحریري ولم یسِّم (أولى حكومات عھد عون) الرئیس سعد الحریري. بالمقابل، وجد رعد أن الحریري لا تحمل معھا أي إلا مرة واحدة تصور حكومي واضح، وأن الزیارة شكلیة بروتوكولیة إقتصرت على تسلیمه ورقتین تلخصان المبادرة الفرنسیة، لیبلغھا رعد أن ھاتین الورقتین في حوزته وقد أعطى الموافقة علیھما في لقاء قصر الصنوبر…

لا یحسم حزب الله موقفه من تسمیة الحریري إلا بعد إتضاح موقف عون وعلى أساسه، وموقف الحزب ما زال ھو ھو: “لا حكومة من دون عون ولا موافقة على حكومة لا ترضي میشال عون”. وھذا الموقف یعكس إستمرار العلاقةالراسخة بین الطرفین، والتي لم تؤثر فیھا الإھتزازات والتباینات الأخیرة المتصلة بتشكیلة الوفد اللبناني المفاوض معإسرائیل حول “ترسیم الحدود”، وبمقاربة العلاقة والإتصالات مع الأمیركیین وھامش التحرك والمناورة في المسائل المتصلة بھم. والجدید الذي طرأ في الأیام الأخیرة كان على مستوى العلاقة بین حزب الله وباسیل… فھذه العلاقة كانتبلغت في الأشھر والأسابیع الأخیرة أدنى مستویاتھا بعدما راكم الحزب ملاحظات ومآخذ سلبیة على أداء باسیلوسیاساته، وفضل حصر علاقته واتصالاته برئیس الجمھوریة… وما حصل قبل أیام أن باسیل بادر الى تفعیل علاقتھ معالحزب وبث الحرارة في خطوط الإتصالات معه ورفع مستواھا، وأن حوارا سیاسیا جدیدا بدأ بین باسیل وموفدین إثنینمن السید حسن نصرالله أحدھما معاونه السیاسي حسین الخلیل.

مجمل ھذه التطورات والإتصالات تفید أن إستشارات وعملیة التكلیف حاصلة یوم الخمیس المقبل وسیكون منالصعب رؤیة تأجیل ثانیة… ولكن سیكون من الصعب أیضا رؤیة حكومة في وقت قریب. لا بل من المتوقع، وفي حال لم یحصل لقاء ثان “على مضض”، أن تنتقل المشكلة من ٍن بین عون والحریري قبل الخمیس وصدر التكلیف الرئاسيمرحلة التكلیف الى جبھة التألیف، وأن تكون الحكومة الجدیدة عرضة لتجاذبات قویة. فإذا كان عون مضطرا لتمریرالتكلیف، فإنه لن یفعل الشيء نفسھ في تمریر حكومة یُفترض أنھا حكومة العھد الأخیرة، ولن یسلم بسھولة ورقة القوة الوحیدة في یده وھي ورقة التوقیع على الحكومة الجدیدة… وبالنتیجة، فإن عملیة تشكیل الحكومة ستطول وتمتدلأسابیع. وما ھو مؤكد أننا لن نرى حكومة جدیدة قبل الانتخابات الأمیركیة…

عن محرر

شاهد أيضاً

الجيش لـ”حماية” المستشفيات؟

كتبت هديل فرفور في “الاخبار”: ليل أول من أمس، كادت إحدى السيدات التي تعاني من …

اترك تعليقاً