الرئيسية / تحقيقات / الترسيم والتكليف، مرساة لبنان الأخيرة (د. جيرار ديب)

الترسيم والتكليف، مرساة لبنان الأخيرة (د. جيرار ديب)


تقنيًا، تبدأ مفاوضات ترسيم الحدود غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، وفي مركز الأمم المتحدة في الجنوب اللبناني، الأربعاء ١٤ تشرين الأول. عمليًا، تبدأ المشاورات النيابية لتشكيل الحكومة اللبنانية، في قصر بعبدا، نهار الخميس ١٥تشرين الأول. منطقيًا، بين الترسيم والتكليف، يكون لبنان قد وضع على طريق العودة إلى حضن المجتمع الدولي، بعد قطيعة وعقوبات أدّت الى إنهيار عملته، وتدهور كبير لإقتصاده، مما زاد في تفاقم أزماته.

 

هل فعلًا، ستكون مرحلة المفاوضات لترسيم الحدود بين البلدين، بداية رفع العقوبات المفروضة على لبنان؟ هل تنظر الإدارة الأميركية إلى هذه الخطوة، تحديدًا مع فريقها الثنائي الشيعي، بأنّها بادرة حسن نيّة لمناقشة ملفات أخرى، لا سيما السلاح غير التقليدي لحزب الله؟ هل تكليف سعد الحريري بشروطه، سيريح المجتمع الدولي، ويدفع بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتنفيذ إلتزاماته تجاه لبنان؟ هل الترسيم والتكليف، حقًا هما المرساة التي ستنقذ لبنان من الأمواج التي تعصف به؟

تاريخيًا، تعريف الحدود اللبنانية قد حصل في ٣١ آب عام ١٩٢٠. أما عملية التحديد، فحصلت في ٢٣ كانون الأول من السنة نفسها. وفي أول حزيران ١٩٢١، اجتمعت لجنة ترسيم الحدود وبدأت عملها برئاسة بوله PAULET عن فرنسا ونيوكومب Newcomb عن بريطانيا. وفي ٧ آب ١٩٢٣، أبرمت الإتفاقية، وأصبح هذا الترسيم معمولًا به ابتداءً من ١٠ آذار ١٩٢٣. أما عملية التثبيت، فتمّت في ٤ شباط ١٩٢٤ حين أودع محضر هذا الترسيم إلى عصبة الأمم فأقرّ، وهكذا أصبحت الحدود دولية.

لكن، بعد حرب الستة أيام، عام ١٩٦٧، التي شنّها العدو الإسرائيلي على لبنان وأربع دول عربية، واحتلّ فيها أراضٍ عربية، تغيّرت معالم الترسيم السابقة. هذه الحرب أدخلت الدول العربية، في صراع من نوع جديد مع الكيان الصهيوني، فكان الشعار “الأرض مقابل السلام”. كانت مصر السبّاقة الى السلام، في إتفاقية كامب ديفيد، عام ١٩٧٨، وتبعها الأردن في اتفاقية وادي عربة، عام ١٩٩٤. فهل سيقع لبنان في فخّ هذه المعادلة، ويتمّ إغراؤه بمغريات إقتصادية، من خلال رفع العقوبات، وجلب الإستثمارات؟

عوامل مهمة تعصف ببيروت، وتهدف لحماية إسرائيل، بدءًا بالضغوط الأميركية، والعربية، والأوروبية، وصولًا الى كارثة المرفأ، وما تركته من آثار تدميرية. فالمرفأ واجهة لبنان شبه الوحيدة على العالم، فهو شريانه الحيوي الذي قطع في ٤ آب الماضي، ما زاد من النزف الإقتصادي السلبي على لبنان. من جهةٍ أخرى، هناك اشتداد الضعط الأميركي على إيران وحلفائها، وهذا ما ينعكس تأزّمًا على لبنان، من خلال العقوبات المتصاعدة على حزب الله، والمتحالفين معه. فكيف إذا كانت الإدارة الأميركية تعتبر أنّ الحزب يهيمن على القرار السياسي للبنان؟ حتمًا،سيعني ذلك عزل لبنان دوليًا!

إنّ الهدف العربي من إتفاقات السلام التي وُقّعت مؤخرًا بين الدول العربية وإسرائيل، هو إبعاد الخطر الإيراني، من بوابة إقصاء أدواته في المنطقة، لا سيما حزب الله. كما أنّ هناك، تدخلات أوروبية في شرق المتوسط، وللبنان حصة الأسد فيها. أما الإفادة من هذه التدخلات الأوروبية، فهي الحصول على قدر كبير من غاز شرق المتوسط، للتخفيف من عبء التدفق للغاز الروسي إلى العمق الأوروبي.

جميع هذه العوامل، تصبّ في خانة السلام مع إسرائيل، ومن الصعب والمستبعد أن يكون هذا الأمر قد غاب عن الثنائي الشيعي. إذًا، نجاح الترسيم، يبقى هو الحلّ للأزمة الإقتصادية اللبنانية، وفشله، أو إفشاله، سيفتح نار جهنّم على لبنان، وأولى شرارات هذه النار، الإقتتال الداخلي.

بحسب مصادر أمنية، بات الخوف من انجرار الوضع الداخلي في لبنان، إلى إحداث صدامات أمنية، مرتفعًا جدًا. فبحسب هذه المصادر، بات التسلّح عنوان المرحلة الحالية في لبنان، فالجميع يتحضّر لمرحلة ما بعد الترسيم والتكليف. إذ إنّ الترسيم والتكليف، يسيران في مسار متوازن، وأي خلل في مسارهما سيوقع لبنان في المحظور. فلم يعد هناك رغبة دولية بإنقاذ لبنان الذي سلّم إدارته المالية والسياسية، واستسلم لقيادة حزب الله، وأصبح ورقة تفاوض إيرانية، على حدّ زعم وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو.

لهذا يعتقد المحلّلون في لبنان، أنّ حماسة سعد الحريري، المدعوم فرنسيًا بغطاء أميركي ومباركة سعودية، لتولّي الوزارة، أتت لإنقاذ لبنان، بورقته الأخيرة، ألا وهي تشكيل الحكومة. فإصرار سعد على تشكيل حكومة إختصاصيين، يهدف لإبعاد دور الحزب، على الأقلّ من الناحية الشكلية، عن القرار الخارجي والداخلي للبنان. إنّ تحرير الحكومة من وصاية أحزاب السلطة، يسمح لها بالقيام بالإنجازات المطلوبة، وهذا ما تريده فرنسا، كي تقدم على إنجاح مشروع “سيدر”.

أخيرًا، بين ١٤ و١٥ تشرين الأول، يحدّد مصير لبنان، فإمّا الخروج من نفق الأزمات، وإما الوقوع في الفخّ، وعندها ستكون السقطة جهنّم. لا يملك لبنان المزيد من الوقت للإستفادة منه، ولا أوراق تفاوضية ليستغلّها لمصلحته. فجلّ ما عليه القيام به، هو الترسيم التقنيّ للحدود، والمحافظة على كافة حقوقه، وتشكيل حكومة إختصاصيين، تُريح الداخل والخارج على السواء، وتعمل على تحقيق الإصلاح، ووقف عجلة التدهور، كائنًا من كان رئيسها.

عن محرر

شاهد أيضاً

كرة حسم التأليف السّريع.. في ملعب من؟

قال معنيون بملف التأليف لـ«الجمهورية»، إنّه « لا وجود لأيّ رابط بين العقوبات وبين تأليف …

اترك تعليقاً