الرئيسية / تحقيقات / لبنان بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني (بقلم د.جيرار ديب)

لبنان بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني (بقلم د.جيرار ديب)


المطرقة اعتاد على صوت طرقها لبنان، فلم يزل صدى صوتها يصدح ضغطًا في التدخل منذ عام ١٩٤٥، أي عند نهاية الحرب العالمية الثانية، وبداية التدخل الأميركي في القرار الدولي. أمّا السندان، فكان يأخذ أوجهًا مختلفة، من اليساريين، إلى الناصريين، إلى الفلسطينيين والسوريين، واليوم الإيرانيين. التشكيلة الحكومية، والواقع الإقتصادي، والخوف من اعتداء اسرائيلي، واستثناء لبنان من الإستفادة من غازه، وعدم ضمّه إلى مجموعة محاور دول البحر المتوسط، كلّها مؤشرات قد تنذر بضربة مطرقة موجعة.

يواجه لبنان، نتيجة العقوبات الأميركية والمقاطعة الغربية والعربية على حدّ سواء، أزمة اقتصادية كبيرة لم يشهد مثيلًا لها منذ تكوينه. هذه الضغوطات الأميركية، على ما يبدو ستأخذ وتيرة تصاعدية موجعة، رغم التطمينات التي أتى بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بأنّ هناك فرصة أمل، وأموال سيدر في الإنتظار. على ما يبدو، هذه العقوبات لم تُفرض إلا لتحقيق المكتسبات، والتوطين وصفقة القرن من هذه المكتسبات.

عدّلت الولايات المتحدة مع الرئيس دونالد ترامب، في استراتيجية الترهيب الدولي، بعد أن كان عسكريًا مع الرئيس السابق جورج دبليو بوش، بضربه لأفغانستان والعراق. على سبيل المثال، إنّ سيناريو ١١ أيلول ٢٠٠١، كان الدافع الرئيسي لتدخل الولايات المتحدة في حروبات، أسقطت فيها أنظمة، واحتلّت دولًا، تحت عنوان مكافحة الإرهاب. استبدلت إدارة الرئيس دونالد ترامب سياسة التدخل العسكري، حيث أعادت التموضع للجيش، واعتمدت العقوبات الإقتصادية.

غيّرت الإدارة الأميركية استراتيجية المواجهة مع الدول. فالسلاح الإقتصادي، هو المطرقة، بات يشكّل خطورةً، وذو فعالية عالية، وبالطبع بكلفةٍ أدنى. هذا السلاح الذي تمارسه اليوم أميركا، على لبنان، عبر فرضها سلسلة عقوبات، منها حجب الدولار، الأمر الذي جعل اللبناني يتخبّط في فقر نتيجة تدني مستوى العملة الوطنية من جهة، وارتفاع جنوني للأسعار، بما فاق كثيرًا القدرة الشرائية لديه من جهةٍ أخرى.

تتحكم الإدارة الأميركية بمجموعة من المؤسسات الدولية، كصندوق النقد الدولي، الذي يخوض معه لبنان مفاوضات شاقة. أوضح رئيس الجمهورية، ميشال عون، أنّ لبنان بحاجة لدعم المؤسسات الدولية للوقوف على رجليه. فإنّ أي فشل في المفاوضات بين الجانب اللبناني، وجانب البنك الدولي، قد يحرم لبنان من مساعدات مالية، ما يعمّق الأزمة، ويعقّدها.

وجهة الإدارة الأميركية باتت أكثر من واضحة، وهي الحدّ من نفوذ حزب الله في المنطقة، من خلال تحجيم دور إيران. تعتبر الولايات المتحدة أنّ حزب الله بات متحكّمًا في مفاصل الحياة السياسية والعامة في لبنان. وإنّ أي مساعدة تُقدّم للبنان، ستمرّ بالضاحية الجنوبية، وتكون هي المستفيدة الأولى منها. لذلك، قرّرت الإدارة الأميركية وقف المساعدات على لبنان، وقامت بالضغط على الدول الأوروبية والعربية للتشدّد في التعاطي مع الحكومة اللبنانية، كي تفكّ السلطات في لبنان ارتباطاتها بحزب الله، وتبعده عن دوائر القرار.

عارض البعض في لبنان قرار غبطة البطريرك، بشارة الراعي، الداعي لإعتماد الحياد الإيجابي، والإبتعاد عن مشاكل المنطقة. فحزب الله، يعتبر في هذا الموقف ضعفًا، ويرى أنّ ربط لبنان بمحور الممانعة يحقق له نصرًا، وانتصارًا على العدو، لذا على لبنان تحمّل العقوبات الأميركية إلى حين إلحاق الهزيمة بالمشروع الأميركي في المنطقة.

يعتبر حزب الله، المدعوم من إيران، أنّه يعرقل الأهداف الأميركية في لبنان، وأبرزها التوطين. بعض المصادر المعارضة لسلاح الحزب، تعتبره أداة بيد إيران، ويحقق مصالحها في لبنان. فمحاولة إيجاد العقبات أمام تشكيل حكومة مصطفى أديب، المدعوم فرنسيًا، عبر التمسّك بوزير المالية، وتسمية الوزراء، والحفاظ على الثلث المعطل، ليس من أجل الحفاظ على حقوق الطائفة الشيعية. فبالنسبة لهذه المصادر، هذه العرقلات يضعونها في خانة الضغط الإيراني، لإحباط جهود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وإفشال مبادرته، علّهم بذلك يوصلون رسالة إلى الأميركي بطريقة غير مباشرة، للتفاوض مع الإيراني.

العرقلات الداخلية، يعتبرها البعض السندان الذي يتلقى ضربات المطرقة الأميركية. فالجانب الإيراني، قد يحرّك كافة أوراقه في الداخل، قبل الإنتخابات الأميركية، ليضغط على الرئيس ترامب، ويصوّره عاجزًا أمام الرأي العام الأميركي. إنّ اللعب بالورقة اللبنانية، قد يكون رابحًا، عبر تعزيز نفوذ الحزب السياسي والعسكري، ما قد يعيق مشروع التوطين الأميركي لتمرير صفقة القرن. لهذا قد تتصاعد حدّة الصراع بين المتخاصمين، وتنفجر في الساحة اللبنانية، لا سيما وأنّ هناك لاعبين إقليميين يتربّصون الفرص لإشعالها تحقيقًا لأهدافهم.

عن محرر

شاهد أيضاً

كرة حسم التأليف السّريع.. في ملعب من؟

قال معنيون بملف التأليف لـ«الجمهورية»، إنّه « لا وجود لأيّ رابط بين العقوبات وبين تأليف …

اترك تعليقاً